أمِنْ حبّ الوطن أن نغرقه بالخطايا؟!

الأخبار المحلية - 16/01/2009
هناك حبّان من حبِّ؛ حبّ طبيعي يعبّر عنه الارتباط النفسي، والأنس بالأرض والأهل وهذا معروف عند الناس.  حبّ آخر هو حبّ الخير للوطن، والعمل بما فيه صالحه، والحفاظ عليه. والإنسان المسلم يرى هذا واجبا ورسالة.
ولكن هل من حبٍّ عند الإنسان المسلم يقابل حب الله؟! كل حبّ من حبّ الإنسان المسلم بمقتضى إسلامه يجب أن يكون تابعا لحب الله، حب رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو حبّ تابع وقائم على حبّ الله في نفس الإنسان المسلم المؤمن، وكذلك كل حب آخر.  
آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم
هناك حبّان من حبِّ؛ حبّ طبيعي يعبّر عنه الارتباط النفسي، والأنس بالأرض والأهل وهذا معروف عند الناس.  حبّ آخر هو حبّ الخير للوطن، والعمل بما فيه صالحه، والحفاظ عليه. والإنسان المسلم يرى هذا واجبا ورسالة.
ولكن هل من حبٍّ عند الإنسان المسلم يقابل حب الله؟! كل حبّ من حبّ الإنسان المسلم بمقتضى إسلامه يجب أن يكون تابعا لحب الله، حب رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو حبّ تابع وقائم على حبّ الله في نفس الإنسان المسلم المؤمن، وكذلك كل حب آخر.  
آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم

الحمد لله أعلم العالمين، وأقدر القادرين، وأعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، لا تشبه ذاتَه ذات، ولا تدنو من صفاته الصفات، حقيقته لا تقبل الشبيه، ولا يناله تصوّر، وكل كمال يفترض دون كماله، ولا جلال ولا جمال في تصور عقل، أو خيال أو وهم إلا قصر به حدُّه عن جلاله وجماله حيث لا حدّ يحدّه، ولا نهاية ينتهي إليها، وكل من عداه وما عداه محدود.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
علينا عباد الله بتقوى الله، وأن نطلب للنفس التي حمَّلنا مسؤوليتها، وألزمنا برعايتها ما ينفع، ونجنّبَها ما يضرّ، ولا أعلمَ بهذا وذاك من بارئ النفس ومدبِّرها، وخالق كل شيء ومقدِّره.
فما طلب أحد صلاح نفسه، أو صلاح غيره من أفراد ومجتمعات من منهج من مناهج الأرض، ومواضعات الأعراف، وما يسنُّ الناس من قوانين معرضاً عن دين الله وشريعته إلاّ وقد اختار الذي هو أدنى على الذي هو خير، ورضي بالضلال عن الهدى، وقدّم الجهل على العلم، والباطل على الحق، وآل أمره إلى ضياع.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن أحسن إلينا إحساناً خاصا، ومن كان له حق خاص علينا من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اهدنا للتي هي أقوم، ولا تجعل لقلوبنا ميلاً إلى باطل، ولا تُجرِ على ألسنتنا كلمة فيها غضبك، ولا تحبسها عن الكلمة التي فيها رضاك، واسلك بنا مسالك أهل الصلاح والإصلاح، وما فيه خير هذه الأمَّة، واجتماع كلمتها على التقوى، وأنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

أما بعد فهذه بعض كلمات تتصدّرها كلمة بمناسبة ذكرى المبعث الشريف:
لله تبارك وتعالى في عباده رحمتان وهدايتان: رحمة وهداية تكوينية، ورحمة وهداية تشريعيَّة. الهداية الأولى تعمّ كل الممكنات التي تخرجها القدرة الإلهية من ظلمة العدم إلى نور الوجود وترعاها. والهداية الثانية تخص من كان في معرض التكليف من الخلق.
ويوم المبعث النبوي الشريف هو يوم تنزُّل الهداية التشريعية الكبرى التي اكتملت بها الهدايات الإلهية من هذا النوع مما سبق تنزّله قبل خاتمة الرسالات.
والأخذ بهداية التشريع، والالتزام بمنهج الدين القويم في شؤون الحياة تقرأ عنه في الكتاب الكريم أنه شرط في تدفّق المزيد من الرحمة التكوينيّة، وإفاضة الكثير من البركات السماوية على مجتمعات الناس، وأن الانفصال عن منهج الله سبحانه لهذه الحياة يصيبها بالضيق والتأزّم والبؤس والشحّ والشقاء:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }(2). فإما طاعة معها صحة الأوضاع، وإما معصية ومعها تردّي الأوضاع.
فالدين القويم والشريعة الغرّاء لهما دوران مترابطان: الأول: إعداد الإنسان في هذه الدورة من وجوده التي يعيشها على ظهر الأرض لأعلى المنازل الكريمة، والرتب الحميدة في الآخرة عن طريق التربية الخاصة والعامة وتهيئة الأجواء والمناخات المعنوية المساعدة التي تبلغ بإنسانيته على خطّ ربّه سبحانه إلى أسمى مراقيها وأرفع درجاتها.
والثاني: هو خلق أوضاع حياتية صالحة ومتقدمة على مختلف المستويات لتشكل البيئة المناسبة لتوفر الإنسان على ما يمكن له من سعادة على الأرض، وتجنّبه الهزّات العنيفة التي تعصف براحته أفراداً ومجتمعات، وتُقلقُ وجوده في الأعماق، وتشغله عن الغاية الأساس لهذه الحياة، وهي أن يُصنَع من خلال هذه الدورة من وجوده إنساناً صالحاً لأن يعيش أقصى درجات السعادة التي تهيؤه لها استعدادات داخله الموهوبة له من الله العظيم الكريم في اليوم الآخِر.
وإذا كان الانفصال عن منهج الله لأهل الأرض المتمثّل في دينه وأحكام شريعته مؤثّراً سلباً بأي درجة من درجاته على حياة الأفراد والمجتمعات بما قد يبين لناظر، ويخفى على آخر، فإنّ الدرجات الكبيرة من الانحراف عن خط الدين تهزّ أوضاع الحياة هزّاً عنيفاً بيّناً لكل ذي عينين، وتهدد جذور شجرتها بالاقتلاع.
أما لو تخلّى الناس كلّياً ولو لوقت يسير عن دين الله عقيدة ومشاعر ودوافع وغايات وقيماً وضوابط وأحكاماً وأصولاً خلقية وهدايات رئيسة لتفككت بنية المجتمعات الصغيرة والكبيرة من الأسرة حتى المجتمع البشري الأكبر، وعمّت الفوضى، وانتشر الفساد إلى حدّ القضاء على الحياة.
هذا كلّه حق ولكن أكثر النّاس لا يعلمون.
ومن هنا نعرف حاجة الإنسانية قاطبة لخاتَم الرسل صلّى الله عليه وآله وعليهم أجمعين، وخاتِمة الرسالات، وأنّ أكبر خيانة يمارسها فرد أو جماعة أو حزب أو حكومة أن يعمل على تحريف دين الله، والصدّ عنه، وطمس معالمه، والكذب عليه، وفصل النّاس عنه، ومطاردته.

قضايا وآراء:
حب الوطن واستقلاله: هناك حبّان من حبِّ؛ حبّ طبيعي يعبّر عنه الارتباط النفسي، والأنس بالأرض والأهل وهذا معروف عند الناس.
حبّ آخر هو حبّ الخير للوطن، والعمل بما فيه صالحه، والحفاظ عليه. والإنسان المسلم يرى هذا واجبا ورسالة.
ولكن هل من حبٍّ عند الإنسان المسلم يقابل حب الله؟! كل حبّ من حبّ الإنسان المسلم بمقتضى إسلامه يجب أن يكون تابعا لحب الله، حب رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو حبّ تابع وقائم على حبّ الله في نفس الإنسان المسلم المؤمن، وكذلك كل حب آخر.
هناك حبّ على مستوى عاطفة الميل والألفة بحسب طبيعة النفس للأهل والأرض مثلا، وهناك حبّ آخر عقلي يقوم على تقدير الخير، والتعلق بالكمال، والانشداد إليه، وتقوم عليه الطاعة عند الفعل، ويكسب الطمأنينة والساعادة للنفس. وهذا اللون من الحب لا يصح لأحد إلا بأن يكون متفرّعا على حب الله سبحانه وتعالى.
وكيف نحب الوطن؟ كما أحبّ نفسي، كما أحب ولدي. إنه الحب القائم على الأخذ بتعاليم الشريعة، إنه الحب الذي نعبّر عنه التعبير الذي حدّده الله تبارك وتعالى، إذا أحببت ولدك، وجاء حبّك على غير طريق الله، وعلى خلاف ما أمر ونهى فإنت لا تحبّه، إذا أحببنا الولد، إذا أحببنا الوطن فإننا نحبّه بالطريقة التي قالت بها الشريعة الغرّاء، وهذا هو الحب الصادق النافع. أمِنْ حبّ الوطن أن نغرقه بالخطايا؟! أن نغرقه بالفساد الخلقي؟! أن نطعم جوعى الوطن بكدّ الفروج؟!، هذا حب لا يرضاه الله سبحانه وتعالى. يجب أن ينبع حبّنا لأي شيء من الله، ويجب أن يأخذ الحبّ في تعبيره الطريقة التي أمر الله بها عزّ وجلّ.
تقول الآية الكريمة {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(3).
علينا أن نحب الوطن، ونخلص في حبّه، وأن يكون حبّنا له من حبّنا لله، وهو مقياس كل حب، وأن يكون تعبيرنا عن هذا الحب لا يغادر خطّ الشريعة على الإطلاق.
و الكلام عن استقلال الأوطان الإسلامية، مرتبط بعلاقة ذلك بوحدة الأمة وفرقتها وتقاربها.
باختصار وحدة الأمة هدف كل مسلم وأمنيته، ولو تمنّى أحد المسلمين غير ذلك لخالف إسلامه.
وحدة الأمة هدف كل مسلم ولكنّه هدف بعيد يفصل الأمة عنه واقع مليء بالتناقضات والقصور والنواقص، فهذا الهدف ليس على مرمى قريب من النظر العملي عند الإنسان المسلم المتعقّل، وطلبه بالقوة يضاعف من مشكلات الأمة ومحنها وفرقتها، ويحتاج إلى قطع مسافة طويلة من التثقيف والتوعية وتنقية المشاعر والارتفاع بالنفوس إلى الأفق الإيماني الرفيع
لو أردنا أن نوحّد بلدين من البلاد الإسلامية، ولنفرضهما أنهما أكثر البلدان الإسلامية تقارباً لصعبت الغاية، أما توحيد الأمة تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، وأطروحة واحدة فهو من المستحيلات العادية في المدى المنظور، فطلبه على هذا المستوى شيء من تضييع الوقت والجهد، وينتج مزيدا من فرقة الأمة، وشتاتها، فلا يُطلب على المدى القريب، ولكن على الأمة أن تجدّ في طلبه ولو على المدى البعيد، ونحن نأمل من الإمام القائم (عجل الله تعالى فرجه)- و هو أمل صادق بإذن الله- أن يوحّد هذه الأمة كلّها تحت راية الإيمان الخفّاقة العالية.
إذا لم نختر الوحدة فلنختر مزيدا من فرقة الأمّة لكنّ هذا هدف كلّ عدو ومتآمر على الأمة. فما هو العملي؟ العملي أن نقول باستقلال كل بلد إسلامي وأن نقول بوجوب التقارب والتحالف غير الضّار بالوحدة، ونفض اليد من التحالفات الأجنبية التي تضرب وحدة الأمة وتغتال هويتها.
ولا للاختراقات الحدودية العدوانية والتوسعات الجغرافية بين المسلمين التي قد تحرّك الأطماع الرغبة إليها.

أزمتنا سياسية:
وما سيطرح تحت هذا العنوان خطوط عريضة من غير تفصيل لضيق الوقت
أزمتنا جذورها سياسية، وتجد مادة مناسبة في الاختلاف المذهبي، والأجواء الإقليمية الطائفية المعاشة.
وتوجد أسباب جانبية يمكن مواجهتها لولا الجذر السياسي للمشكلة.
نجد أن التحسن السياسي يخفف من التوتر الطائفي، وأن أي انتكاسة سياسية تثير هذه المشكلة من جديد وبشكل خطير جداً مما يدل بوضوح على أن المشكلة سياسية أصلا.
والتغلب على الطائفية في الحل السياسي.
والتقارب الشعبي يعيقه الجو السياسي الملبّد بالغيوم والملغّم بأخطر الألغام.
للمجلس الإسلامي العلمائي تجربة على طريق التقارب، وقد جاءت في ضوء شعار وحدة وطنية وإسلامية وهو شعار سابق للمجلس نفسه. فقد بعث المجلس قبل ما قد يزيد على سنة برسائل للجمعيات الإسلامية من الطائفة الأخت الكريمة في البلد، ولا زلنا ننتظر الجواب. كانت رسائل تطلب اللقاء ولو اللقاء الأولي للحوار والتفاهم ومحاولة التقريب.
إطلاق السجناء خطوة إيجابية على الطريق الصحيح، وخيار ناجح ويحمل قابلية تبريد الأجواء تمهيداً لإنجاح إرادة الحل فيما يُطلب، وينبغي.
والخطوة على قيمتها المقدّرة تحتاج إلى إتمام بلافراج عن كل السجناء والموقوفين على ذمة قضايا عدّتها الجهات الرسمية أنها من قضايا الأمن.
وخطوة إطلاق السجناء تتعامل مع تداعيات المشكل. فهناك مشكل هو الشعور المتبادل بالاستهداف، هذا الطرف يشعر بأن الطرف الثاني يستهدفه، والطرف الثاني يشعر بأن الطرف الأول يستهدفه، هذا هو لبّ المشكلة في ساحتنا السياسية.
وهذا المشكل له جذور، وأسباب وهي الملفات والقضايا المختلف عليها، والتي لا زالت معطّلة.
وهناك تداعيات للمشكل نجدها في هذه المواجهات والتوقيفات والمحاكمات وأحكام السجن والقلق الأمني الذي يشعر به الناس هنا.
والعلاج الناجع في أن ننظر إلى الجذور، وأن نبحث في الملفات المختلف عليها عن طريق الحوار، وأن تأتي خطوات إصلاحية تتعامل مع أساس المشكلة لتعود ثقة الطرفين، ولتتضافر جهود السواعد على بناء هذا الوطن البناء الصالح المجيد وهو ما نتمنّاه كل التمنّي، ويجب علينا أن نساعد عليه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة
28 رجب 1429هـ 1 أغسطس 2008م